ابن إدريس الحلي

58

السرائر

في ذلك في كتاب الحج ( 1 ) ، وأشبعنا القول فيه . فعلى هذا التقرير والتحرير لا يصح أن ينذر الإنسان أن يعطي خمس ركعات بتسليمة واحدة ، لأنه نذر مخالف للمشروع ، غير مماثل له . ولا يصح النذر حتى يكون الناذر لافظا بقصده لله على نفسه ، بأن يقول ويتلفظ ، على لله ، أو لله على ، ويكون معتقدا له ، مختارا من غير إكراه ولا إجبار . ولا يصح أيضا إلا فيما يملكه الإنسان . فإذا تقرر ذلك ، وتلفظ بما قدمناه ، فهذا الذي تسميه الفقهاء نذر التبرر والطاعة ، وهو على ضربين : أما أن يعلقه بجزاء ، أو يطلق . فإن علقه بجزاء فالجزاء ضربان : أما ابتداء نعمة ، كقوله : إن رزقني الله ولدا فلله علي أن أتصدق بمال ، أو إن ملكت مالا ، أو إن فتحت بلدا من بلاد أهل الحرب ، وأما دفع نقمة ، مثل أن يقول : إن نجاني الله من هذا الحرب ، أو ردني من هذا السفر ، أو أنجاني من البحر ، أو شفاني من هذا المرض ، فإذا وجد الشرط نذره لزمه الوفاء به ، بلا خلاف . وأما المطلق بأن يقول : لله علي أن أتصدق بمال وإن أحج ، أو أصوم ، ونحو هذا نذر طاعة ، ابتداء بغير جزاء ، فعندنا أنه يلزمه ، وعند الأكثر ، وذهب بعض المخالفين إلى أنه لا يتعلق به حكم ، وتمسك بأن غلام ثعلب قال عن ثعلب : " إن النذر عند العرب وعيد بشرطه " وهو اختيار المرتضى " رحمه الله " ( 2 ) وما ذهبنا إليه هو الظاهر المعمول عليه عند أصحابنا ، وهو مذهب شيخنا أبي جعفر ( 3 ) ، وغيره ، من مشيختنا ( 4 ) " رحمهم الله " . ومتى نذر الإنسان أنه إن عوفي ولد له من مرضه ، وهو غايب عنه ، ثم سمع بصلاحه ، فإن كان برؤه بعد النذر وجب عليه الوفاء به ، وإن كان برؤه قبل النذر لم يجب عليه ذلك .

--> ( 1 ) الجزء الأول ، ص 576 . ( 2 ) الإنتصار ، كتاب النذر . ( 3 ) النهاية ، كتاب الأيمان والنذور ، باب أقسام النذور والعهود . ( 4 ) ج . ل . مشايخنا .